عبد الكريم الخطيب

640

التفسير القرآنى للقرآن

صفات الكمال والجلال . . ثم في فضح الشرك ، وتعرية آلهة المشركين من كل ما ألقوه عليهم من أوهام وضلالات . . وفي أثناء هذا الدور كانت تتنزل بعض الآيات في الدعوة إلى مكارم الأخلاق ، وفي إقامة مشاعر الناس على الأخوة الإنسانية ، وعلى الصبر ، والرفق ، والإحسان إلى غير ذلك مما يليق بمن يعرف اللّه ، ويؤمن به ، ويدخل في زمرة عباده الذين يبتغون مرضاته ، ويرجون وحمته . . فلما انكسرت شوكة الشرك ، وأوشكت دولته أن تدول ، أخذت آيات اللّه تتنزل بأحكام الشريعة التي تقوم عليها الحياة الروحية والمادية لهذا المجتمع الذي آمن باللّه ، وأجلى الشرك من موطنه ، فكان ما ينزل من آيات اللّه في هذا الدور ، يكاد يكون مقصورا على بناء أحكام الشريعة ، من عبادات ، ومعاملات ، وحدود ، ومن سلم ، وحرب ، وغنائم ، وغير ذلك مما ينتظمه قانون الشريعة الإسلامية . . وكان من مقتضيات حكمة الشريعة القائمة على اليسر ، ورفع الحرج ، أن جاءت كثير من أحكام الشريعة متدرجة في تكاليفها من السهل إلى الصعب ، لأنها كانت تتعامل مع أناس قطعوا شطرا كبيرا من حياتهم في الجاهلية ، ورسب في نفوسهم ، واختلط بمشاعرهم كثير من ضلالاتها . . فكان مما اقتضته الحكمة الإلهية أخذ هؤلاء الذين لقيهم الإسلام على أول دعوته - بالرفق ، والتلطف ، حتى يألفوا هذا الدين ، ويتعقلوا أحكامه ، ويأخذوا أنفسهم بها . . ولو أخذوا بغير هذا الأسلوب ، لتغير موقفهم من الشريعة ، ولما أحدثت فيهم هذه الآثار العظيمة التي أخرجت منهم خير أمة أخرجت للناس . هذا هو الخطّ الذي قامت عليه سيرة الدعوة الإسلامية ، وعلى هذه